فبراير
11

مارية القبطية

بواسطة محبة لرسول الله لايوجد تعليق

مارية القبطية 

 

هي مارية بنت شمعون ، والدها شمعون من أقباط مصر، و أمها رومية الأصل
في العام السادس من الهجرة، أرسل النبي صلى الله عليه و سلم رسله إلى الملوك يدعوهم إلى الإسلام، إلى كسرى ملك الفرس، و إلى قيصر ملك الروم، و إلى النجاشي ملك الحبشة و إلى المقوقس عظيم القبط في مصر و غيرهم.
و كان رسوله إلى المقوقس حاطب بن أبي بلتعة، رضي الله عنه، فاستقبله المقوقس و قرأ كتابه، ثم أكرم وفادته، و أنزله منزلا كريما، و لكنه لم يستجب لدعوة الإسلام، ثم زوده بهدايا ثمينة حملها حاطب إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم
و كانت الهدايا جاريتين من جواري المقوقس هما : مارية و أختها سيرين، و ألف مثقال ذهبا و عشرون ثوبا لينا، و بغلة اسمها دلدل، و حمار اسمه عفير، و خصي يقال له مابور، و كان شيخا طاعنا في السن (1)

قال ابن عبد البر : أهداها المقوقس القبطي صاحب الاسكندرية و مصر للنبي صلى الله عليه و سلم و أهدى معها أختها سيرين و خصيا يقال له مابور. فوهب رسول الله صلى الله عليه و سلم سيرين لحسان بن ثابت رضي الله عنه، و هي أم عبد الرحمن بن حسان (2)

(1) دعوة النبي صلى الله عليه و سلم للمقوقس و ما كان من رده على رسالة النبي و إكرامه بمارية و أختها، نظر “إعلام السائلين” في رواية للإمام أحمد بن طولون .
(2) ” الاستيعاب” (3/1607)

 

في الطريق إلى المدينة :
خرجت مارية من الإسكندرية مع أختها سيرين و الخصي مابور في حراسة حاطب بن أبي بلتعة، و كان حاطب رضي الله عنه يحدثهم عن الإسلام و عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أثناء الطريق، فآمنت مارية بالله ربا و بمحمد نبيا و رسولا صلى الله عليه وسلم، و تبعتها أختها سيرين فشهدت بالوحدانية لله و لمحمد بالرسالة، إلا مابور الخصي فإنه أصر على دينه و عقيدته،
و هكذا… ما دخلت مارية المدينة هي و أختها سيرين إلا مسلمتين مؤمنتين، و لم تريا الرسول صلى الله عليه و سلم
وصل الركب المؤمن إلى المدينة و سلَّمَ حاطب رسالة المقوقس و هداياه إلى النبي صلى الله عليه و سلم فاستقبلهم و رحب بهم، و أكرم قدومهم، و بالغ في ذلك حين واسى مارية باتخاذها سرية له. و أنزلها في مكان يدعى العالية من ضواحي المدينة، و كان يختلف إليها و يطأها بملك اليمين، و يرعاها و يعطف عليها .

 

 مارية أم ابراهيم :
في أوائل العام الثامن للهجرة أخذت مارية تحس بآلام الحمل بعد أن ظهرت عوارضه، فازداد إقبال النبي صلى الله عليه و سلم عليها
و مع نهاية العام وضعت ولدها إبراهيم ففرح به النبي صلى الله عليه و سلم فرحا شديدا.
و وهب لمن بشره بمولد إبراهيم مملوكا، و دفع بإبراهيم إلى أم بردة بنت المنذر بن زيد ابن النجار لترضعه
و بلغت غبطة النبي بولده مبلغها، فإذا هو شديد اللصوق به، كثير التطلع في وجهه الصغير، دائم الحمل له بين ذراعيه في كل مكان يذهب إليه، حتى بيوت نسائه الأخريات، فيقربه منهن و يقول في عطف و إعجاب : أنظرن… ألا ترينه صورة مني ؟؟
كان من شأن ميلاد إبراهيم أن تحررت أمه مارية إذ قل رسول الله صلى الله عليه و سلم : ” أعتقها ولدها “

 

غيرة أمهات المؤمنين من مارية :
لقد أثار الوضع الجديد غيرة أمهات المؤمنين، إذ أصبح النبي صلى الله عليه و سلم أكثر لصوقا بها دونهن، كما أنها أنجبت الولد دونهن جميعا، و هنا تبرز الجوانب العظيمة و الخلال الحميدة التي كانت تتمتع بها مارية رضي الله عنها، فعلى الرغم من كل حسد اعتمل في نفوس زوجات النبي، و كل غيرة أظهرنها، ظلت هي على رزانتها، و حيائها و خفرها …
حتى عندما ائتمرت عائشة و حفصة رضي الله عنهما عليها، فاضطر رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى أن يقول : لقد حرمت مارية على نفسي .. لم يزدها ذلك إلا تبسما و رضى و صبرا ..
ثم أنزل الله تعالى قوله : ” يا أيها النبي لم ترحم ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك و الله غفور رحيم ” التحريم 1

 

وفاة إبراهيم :
مرض إابراهيم مرضا شديدا، فقامت مارية و أختها سيرين على تمريضه، ولم يمهله المرض، وظهرت عليه ذات يوم علائم الاحتضار، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه و سلم فحزن حزنا شديدا فجاء إلى دار مارية فوجد إبراهيم في حجر أمه مارية الباكية يجود بآخر أنفاسه فأخذه برفق و وضعه في حجره، و ضمه إلى صدره ليهدئ القلب المضطرب و الصدر اللاهث.. ثم غمره حزن شديد و ألم دامٍ و قال:
” إنا يا إبراهيم لا نغني عنك من الله شيئا “

و تساقطت عبرات النبي صلى الله عليه و سلم، و أجهشت مارية المفجوعة بالبكاء، و صرخت متألمة، و صاحت أختها باكية، و لم ينهها الرسول صلى الله عليه و سلم عن ذلك …
فقال عليه الصلاة والسلام : يا إبراهيم لولا أنه أمر حق، و وعد صدق، و أن آخرنا سيلحق بأولنا، لحزنا عليك أشد من هذا “
و مسح صلى الله عليه و سلم دموعه و جفف عبراته و هو يقول:
” العين تدمع، و القلب يحزن، و لا نقول إلا ما يرضي الرب، و إنا يا إبراهيم عليك لمحزونون ” (1)
(1) ذكره ابن عبد البر في ” الاستيعاب” (1/154-155) ، و ابن أبي شيبة في ” مصنفه”( 3/393) بمعناه

 

الموكب الحزين :
خرج موكب الجنازة: رسول الله صلى الله عليه و سلم يحمل جثمان ولده بين يديه، و عمه العباس بن عبد المطلب و عمر بن الخطاب رضي الله عنهما إلى جانبه و طائفة من المسلمين…
و تلاشت مارية هما وغما، و غشي عليها الحزن لفراق أملها الوئيد
ثم وصل الموكب إلى البقيع حيث دفن إبراهيم، بعد أن صلى عليه رسول الله صلى الله عليه و سلم ثم وقف على لحده يلقنه قائلا و الغصة تمتزج بالكلمات: قل الله ربي، و رسول الله أبي، و الإسلام ديني …
و ارتفع البكاء في تلك اللحظة الخاشعة صوت ما عرف عنه الهلع و الخوف إلا في جنب الله، إنه صوت عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال : ” هذا ولدك يا رسول الله ما بلغ الحلم، و ما جرى عليه القلم، و لا يحتاج إلى تلقين، فما بال عمر و قد بلغ الحلم وجرى عليه القلم، و ليس له ملقن مثلك ؟؟
فبكى النبي صلى الله عليه و سلم و بكى الصحابة
و أقبل بعض أصحابه يواسونه ويعزونه، محاولين تخفيف المصاب عنه، و قال أحدهم مذكرا رسول الله بما نهى عنه من الحزن
فقال النبي صلى الله عليه و سلم: ” ما عن الحزن نهيت، و إنما نهيت عن العويل، و إن ما ترون بي، أثر ما بالقلب من محبة و رحمة، و من لم يبد الرحمة لم يبدها عليه غيره…
و حدث أن غامت الشمس يوم وفاة إبراهيم، مشاركة للنبي صلى الله عليه و سلم في مشاعره و أحاسيسه… لكن هذه القولة رددها بعض الناس نبهت النبي صلى الله عليه و سلم إذ لم يكن لينسى رسالته أبدا حتى في أحلك الساعات و أشدها حرجا، و أدق المواقف و أصعبها.
فرد على الناس قائلا: ” إن الشمس و القمر آيتان من آيات الله، لا تخسفان لموت أحد و لا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى ذكر الله و الصلاة “(1)
و يعود النبي صلى الله عليه و سلم إلى دار مارية مواسيا، و ظل يتردد عليها كعادته السابقة
و سلمت مارية المؤمنة أمرها إلى الله تعالى، فهو الذي أعطى و هو الذي أخذ. و لم تكن لتملك أن ترد دموعها الصامتة كلما لاحت ذكرى إبراهيم في نفسها. و لم تحمل بعد إبراهيم و لم تضع،
و كانت حياتها في سعادتها وشقائها بلاء و امتحانا، أثبتت خلاله أنها من المسلمات الخالدات في التاريخ، يقتدى بهن، و يحتذى بسلوكهن، و ينسج على منوالهن .
(1) الحديث بتمامه رواه البخاري (1041) ، و مسلم (911)، و غيرهما من حديث ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه و سلم بلفظ :” إن الشمس و القمر لا ينكسفان لموت أحد من الناس ، و لكنهما آيتان من آيات الله، فإذا رايتموهما، فقوموا فصلوا ”

 

الوفاة :
و لما كان العام السادس عشر من الهجرة، مرضت و اشتدت عليها وطأة الحمى، و أسلمت الروح.
فحزن الناس عليها حزنا شديدا، و شهد عمر رضي الله عنه جنازتها و حشد الناس إلى ذلك، و صلى عليها، و دفنت بالبقيع. (1)
(1) رواه ابن سعد في ” الطبقات الكبرى” (8/116)، و ابن عبد البر في “الاستيعاب” (4/465) بلفظ قريب

** ابن عبد البر في ” الاستيعاب ” (4/465) ، ابن هشام ” السيرة النبوية (1/4)

اترك تعليقاً




المواضيع المميزة

رقية-بنت-رسول-الله

رقية بنت رسول الله صلى الله عليه و سلم

رقية بنت رسول الله صلى الله عليه و سلم استمع إلى مقتطف رقية بنت رسول الله ...

زينب

زينب بنت محمد بن عبد الله

   زينب بنت محمد بن عبد الله استمع إلى مقتطف زينب بنت محمد بن عبد الله ...

فاطمة

فاطمة الزهراء

فاطمة الزهراء بنت محمد بن عبد الله استمع إلى مقتطف فاطمة الزهراء من كتاب نساء ...

الأكثر قراءة

عفراء بنت عبيد

عفراء بنت عبيد بن ثعلبة

عفراء بنت عبيد بن ثعلبة ( أم الشهداء ) نسبها عفراء بنت عبيد ...

أم-حارثة

أم حارثة " الربيع بنت النضر "

أم حارثة " الربيع بنت النضر " الربيع بنت النضر بن ...

فاطمة-بنت-عتبة

فاطمة بنت عتبة بن ربيعة

فاطمة بنت عتبة بن ربيعة هي أخت هند بنت عتبة كانت ...

الشفاء

الشفاء بنت عبد الله

الشفاء بنت عبد الله ابن شمس بن خلف   صحابية جليلة، أسلمت ...

أميمة-بنت-رقيقة

أميمة بنت رقيقة

أميمة بنت رقيقة روت عن النبي صلى الله عليه و سلم من ...



مواقع ذات صلة